هل اتباع مذهب والتمسك به يعني التمسك بالشخص لا بالكتاب والسنة؟

يدّعي البعض أنّ التمسك بمذهب مخالف للكتاب والسنة، بدعوى أنّ المذهب قد يصيب ويخطئ، والمذهب نتاج اجتهادات الفقهاء، وهذه الاجتهادات عرضة للصواب والخطأ، لذا فإنّ الملزم ما جاء في الكتاب والسنة دونهما، ومن يتمسك بمذهب من المذاهب، فهو بذلك يتمسك بأشخاص يحتجّ لهم ولا يحتجّ بهم!! فإن قلت له: السنة القبلية أو قنوت الفجر مثلا مستحب عند السادة الشافعية، قال لك: أين الدليل؟ أو دليل الشافعية ضعيف، والعمدة للدليل لا للمذهب!! ونسي أو تناسى بأنّه ليس من أهل الاستنباط والاحتجاج بالدليل لأنّ أهله هم أهل الاجتهاد، وقد طويت صفحة الاجتهاد منذ قرون، وغاب عن هذا الشخص أنّ الشافعية أو غيرهم من المذاهب يستحيل أن يخالفوا دليلا، وإنّما خروجهم عن ظاهر الدليل إمّا لدليل آخر أو لتأويل مستساغ شرعا له.

وهذا في الحقيقة أخطر منهج وادّعاء يهدّد، لا أقول الأمة فحسب بل الشريعة الإسلامية، ثمّ لا يدّعي هذه الدعوى إلاّ جاهل بحقيقة التمذهب والتقليد والاجتهاد وحكمه.

ذلك أنّ الأئمة ليسوا قسيمًا للكتاب والسّنة؛ بل هم مستخرجون لأحكامهما، فهم أعلم بمراد الشارع ومقصوده، وهم أعلم بدلالة الأمر، هل هو للوجوب أم للاستحباب أم للإرشاد أم للإباحة.. وهم أدرى بدلالة النهي أهو للتحريم أم للكراهة.. لذا فاستنباطات الأئمة هي عبارة عن تقريب للكتاب والسنة للنّاس وليست قسيما لهما، لذا اعتبر الشاطبي المفتي قائمًا في الأمة مقام النّبي صلّى الله عليه وسلّم، حيث جاء في الموافقات (4\244): "المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلّى الله عليه وسلّم، والدليل على ذلك أمور، ثمّ ذكر منها: أنّ المفتي شارع من وجه، لأنّ ما يبلّغه من الشريعة إمّا منقول عن صاحبها وإمّا مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلّغًا، والثاني يكون فيه قائمًا مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنّما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله... وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذا سموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء: 59) والأدلة على هذا المعنى كثيرة".

بل ذهب الشاطبي إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث اعتبر فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى غير المجتهدين كالأدلة الشرعية في الأخذ بها والعمل على وفقها، جاء في الموافقات (4\292): "فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه: أنّ وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلّدين وعدمها سواء، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئًا، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم البتة، وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7). والمقلّد غير عالم فلا يصح له إلاّ سؤال أهل الذّكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدّين على الإطلاق، فهم إذًا القائمون له مقام الشارع وأقوالهم قائمة مقام الشارع".

وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وليعلم أنّه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل؛ فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول وعلى أنّ كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة [راجع "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" – مكتبة صيد الفوائد].

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

وفاة الطفل احمد نعمان علي اخو عيد اغبارية بعد صراع مع المرض. إنا لله و إنا إليه راجعون https://t.co/MeErV1KqyU 12/07/2019 - 20:16
حملة التبرع بالدم معا ننقذ احمد الاشخاص مع نوع دم AB- الرجاء التواصل مع عبد الله جبارين:0503603852 احمد محاميد: 05… https://t.co/V5dWf7xFsQ 12/02/2019 - 23:01
: قوات من الشرطة والمخابرات تقتحم منزل القيادي الدكتور سليمان بزعم التفتيش عن مواد تتعلق بمنظمة "محظورة" https://t.co/2zj2OEE6Lp 11/25/2019 - 15:31
بتهم التحريض على “الإرهاب” وتأييد منظمة “محظورة”: محكمة إسرائيلية تدين الشيخ في “ملف الثوابت” https://t.co/pLN7ZF6Fux 11/24/2019 - 13:09
الشيخ في طريقه الى قاعة الجلسات لسماع النطق بالحكم، والسماح لـ 25 شخصًا فقط الدخول مع الشيخ لمساندته. https://t.co/9bzfIkjtfj 11/24/2019 - 10:51