حينما يحاكمون الشيخ رائد صلاح

برهوم جرايسي: حكمت إحدى محاكم الاحتلال في القدس المحتلة، في الأسبوع المنتهي، على الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية (الجناح الشمالي) الناشطة بين فلسطينيي 48، بالسجن تسعة أشهر بتهمة "إهانة" جندي احتلال في إحدى مظاهرات الدفاع عن الحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى المبارك في المدينة، قبل نحو ثلاثة أعوام، وهي واحدة من محاكمات أخرى تنتظر شخصيات قيادية أخرى، خاصة عضوي الكنيست محمد بركة، وسعيد نفاع، في ظل هجوم متصاعد على هذه الشخصيات بهدف قمع النضال الجماهيري لفلسطينيي 48.

وهذه المحاكمات تأتي أيضا في ظل تصعيد الهجمة العنصرية متعددة المستويات التي تقودها المؤسسة الرسمية الإسرائيلية ضد فلسطينيي 48، وهذا يندرج كما يبدو في إطار ما قاله رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو قبل سنوات قليلة، إن الخطر الاستراتيجي الأكبر على إسرائيل هم فلسطينيو 48، وفي خلفية هذا التصريح القلق الإسرائيلي الصهيوني من تكاثرهم في داخل الكيان الإسرائيلي وتشبثهم بأرضهم، وتمسكهم بهويتهم الوطنية منذ اليوم الأول بعد النكبة وحتى اليوم.

وفي حين أن التصعيد العنصري يجري بوتيرة عالية جدا في مختلف نواحي الحياة، خاصة تلك التي من شأنها أن تضمن ظروف معيشية أساسية طبيعية، إلا أن الهجوم على المستوى القضائي الإسرائيلي بات الأكثر سخونة في هذه المرحلة، فالعنصرية تتفشى في أروقة القضاء الإسرائيلي وجهاز المحاكم بوتيرة سريعة جدا، وحتى إن المؤسسة الرسمية، من برلمان وحكومة، تسارع الخطى لإقرار إجراءات وقوانين جديدة تقضي على ما تبقى من نقاط ضوء ضئيلة كانت في هذا الجهاز، ليكون الطابع العنصري سائدا كليا.

فالشيخ صلاح الذي أنهى جولة أولى من هذه المحكمة، وكما يبدو فإن طاقم الدفاع عنه سيتجه نحو الاستئناف، ينتظر محاكمتين أخريين ضده، واحدة بسبب رفعه العلم السوري خلال انضمام وفد من هضبة الجولان السورية المحتلة إلى مظاهرة في القدس المحتلة قبل أقل من ثلاثة أعوام، والثانية بسبب خطبة جمعة في المدينة، هاجم فيها صلاح مؤامرات ومخططات الاحتلال في القدس.

ومن حيث الجوهر فإن التهم الموجهة للشيخ صلاح هي ذات طابع انتقامي من الدرجة الأولى، وهذا مثلا ما برز خلال سير المحاكمة التي تم النطق بالحكم فيها، إذ تبنت النيابة والمحكمة مزاعم جندي جاء ليقمع متظاهرين يحتجون على جرائم الاحتلال في المدينة.

ولهذا فإن الحكم لم يكن مفاجئا كليا، وليس من المستبعد، بل من المؤكد أن من نسج لائحة الاتهام تلك، نسج أيضا الحكم الصادر عنها، بمعنى أنه معد مسبقا، ولا "خطورة" في المراهنة على أن المحكمتين الأخريين لن تنتهيا بأفضل حال.

والحال ذاته نقرؤه في لائحة الاتهام الموجهة ضد عضو الكنيست محمد بركة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الذي يواجه لائحة تجمع أربع اتهامات حول صدامات مع جنود الاحتلال والشرطة الإسرائيلية خلال أربع مظاهرات جرت في الضفة الغربية المحتلة وفي مدينتي تل أبيب والناصرة، ففي واحدة "إهانة" ضابط شرطة، والثانية أنه صفع قائد شرطة بإصبعه!! والثالثة شبيهة، أما الرابعة، فإنه قبض على عنق جندي احتلال ليتيح لمعتقل فلسطيني بالفرار.

ومن يقرأ تفاصيل هذه التهم، إن كانت ضد النائب بركة أو ضد الشيخ صلاح، ينتابه الضحك، فكيف هذا، وعساكرهم تأتي مدججة بكل أنواع الأسلحة والقمع إلى المظاهرات، لتقمع المتظاهرين دون أي رادع، تصل في الكثير من الحالات إلى حد القتل.

والملف الثالث الخطير موجه ضد عضو الكنيست سعيد نفاع، من كتلة التجمع الوطني الديمقراطي، فهو أول عضو كنيست يحاكم على خلفية قانون عنصري، تم إقراره في السنوات الأخيرة، ويستهدف كل من يزور دولة تعتبرها إسرائيل "عدوة"، إذ زار نفاع سوريا قبل نحو عامين، والتقى شخصيات فلسطينية وسورية، مؤكدا أن لائحة الدول التي أعدتها إسرائيل كدول أعداء لها، لا تعنينا كفلسطينيين، وهذا القانون بالذات فيه بنود عقابية خطيرة منها السجن حتى ثلاث سنوات، وتقييد العمل السياسي، من الترشح لعضوية البرلمان وغير ذلك.

في المجمل العام فإن الرسالة الإسرائيلية واضحة جدا، وهي أنها حددت أكثر تفاصيل المواجهة الجديدة وتصعيدها مع فلسطينيي 48، وهذا لا يعني إطلاقا أن كل شيء بدأ الآن، أو في السنوات الأخيرة، بل إن الملاحقة السياسية بدأت منذ اللحظات الأولى لتبلور الكيان الإسرائيلي وعانى الفلسطينيون من حكم الترهيب في أحلك الفترات، مثل سنوات الـ 50 والـ 60 من القرن الماضي، ولكن هذه الملاحقات استمرت وهي تتغير من حيث الشكل وتبقى واحدة من حيث الجوهر.

وبطبيعة الحال فإن الهجوم الإسرائيلي العنصري الرسمي على الفلسطينيين لا ينحصر في الجهاز القضائي، فالكنيست الإسرائيلي (البرلمان) لا يكف عن سن القوانين العنصرية التي تستهدف بشكل مباشر العرب، وهذه قوانين يتم سنها بتأييد مباشر من حكومة بنيامين نتنياهو، حتى بات كتاب القوانين بإمكانه أن يكون مرشدا لأشرس الأنظمة العنصرية التي عرفها التاريخ القريب.

وأمام هذا التصعيد الذي لا نرى نهاية له، لا بل إن كل المؤشرات تؤكد أننا مقبلون على ما هو أخطر، فإنه لا خيار آخر سوى المواجهة وفق الآليات المتاحة، التي تضمن التصدي والسعي لتغيير الواقع والبقاء، وهذا ما يدركه فلسطينيو 48، الذين رغم التعددية السياسية عندهم، فإنهم عرفوا أيضا كيف ينظمون نضالهم الوحدوي ضمن إطارهم الوطني "لجنة المتابعة"، وهذا ما يقلق المؤسسة الإسرائيلية.

صحيفة العرب القطرية
bjaraisi@gmail.com

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 17 10/26/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 26 - 18 10/25/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 16 10/24/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 17 10/23/2019 - 11:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 29 - 19 10/22/2019 - 11:00