وأنا في حِكمَةِ هذا اليوم أُذكّرُكَ أيُّها النّبيلُ السّائرُ أنّ القُدرَة لدى الخَلقِ نِسبيّةٌ، وتتساقَطُ مشاريعٌ وتتهاوى برامجُ لِشَحنَةٍ كهرُبائيّة صغيرَةٍ زائِدَةٍ أو ناقِصَةٍ، وتحترقُ غاباتٌ عظيمةٌ بِحَجمِ غابات الأمازون وفيلادلفيا لِعودِ ثِقاب، وتنشأُ حربُ كونيّةٌ لمُكالمةٍ "هاتِفٍ خليويٍّ"...
إنّ الهُدهُدَ طيرٌ صغيرٌ يَشنؤهُ عددٌ مِنَ الخلق، ولا يُباليه آخرونَ بالةً، ويجهلوه الكثيرونَ مِنَ النّاس. لكنّ هذا الطّيرَ دخَلَ التّاريخَ يومَ أن قال لسُليمان قولَتَه (جئتُكَ مِن سبَأٍ بِنَبَأٍ يقين)، قولةٌ صغيرَةٌ خلّدها القُرآنُ والتّاريخُ وطارَ بِها سُليمانُ (عليه السّلامُ) انتِصارًا وَدَعوةً... أيقَنَ الهُدهُد بِقُدرَتِه على التّغيير، ولَباقَتِه في الإفصاحِ والتّعبير أنّ صِغَرَ حَجمِه قياسًا للآخرين لا يُعبّر عن حقيقته وأن حقارة قَدرِه بنظر الآخرين لا يُعبّرُ عَن حُدودِ قَدرِه وعُلُوّ كعبِه.
أيّها النّبيلُ السّائرُ! أليسَ يليقُ بِكَ أن تكونَ أكثَرَ مِن الهُدهُد؛ فتُهَدهِدُ بِكَلِماتِكَ الطّفلَ في أحلامِه الطُفوليّةِ والنّرجسيّة، وتُهدِّدُ طواغيتَ الأرضِ في بُروجِهمُ العاجيّة، وتَهُدُّ السّقف على أصحابِ العُروشِ التَجَبُّريّة؟! ألستَ أحرى بِذَلِكَ وأولى؟! إلا تذكُر ذلِك النّبيل، ولَم يمضِ على إسلامِهِ إلا لحظاتٍ، إذ (جاءَ من أقصى المدينَةِ) يسعى... (قال يا قومٍ اتّبِعوا المُرسلين)، ألا يليقُ بِكَ أن تكتُب في الحَقِّ كَلِمَةً أو تقولَ في الدّعوةِ قولَةً فتزدادُ في معارجِ المروءَةِ دَرَجَةً، أو رِفعَةً؟! أو تُنعَّم فَتُنادي نِداءَ الّذينَ سبَقوك (يا ليتَ قومي يعلمون بِما غَفَر لي ربَي وجعلني من المُكرمين).
أيُها النّبيلُ السّائرُ! قَد سَبَقَكَ في الإسلامِ أُناسٌ كانَ عُمرُهم في الإسلام سنواتٍ قَليلَةٍ أو أشهُرًا أو ساعاتٍ لَكِنّهم صنعوا تاريخًا بل رَسموا لمن بَعدهم مَنهجًا وعَبّدوا لَهُم طريقًا.
ألا تَنظُر إلى أُناسٍ مِن أصحابِ مُحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم ما قرئ عليهم القُرآن كاملا ولو مرّةً واحِدَةً – لأنّهم قضَوا قبل أن يَكتَمِلَ نُزولُ القُرآن- وكان مِنهُم من اهتزّ له عَرشُ الرّحمنِ، ومِنهم من غَسّلته الملائكَةُ، ومِنهم مَن كان أسدَ الله وأسَدَ رَسولِه، بل مِنهم مَن لم يَسمَع من القُرآن المَدَنيّ شيئا وكانوا مِن أكمَل النّاسِ حتّى إن كريمَة مِن الكريمات وكامِلَةً مِن الكاملاتِ أقرأها جِبريلُ مِن رَبِّها السّلامَ وبَشَرها بِقَصرٍ في الجَنَةِ مِن قَصَب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب، ما سَمِعَت القُرآن المَدَنيّ ألبتَةَ، فسلامٌ عليكِ أُمّنا خَديجَةُ! سلامٌ وألفُ سلامٍ!.
أيُّها النّبيلُ السّائرُ! كانَ في تاريخِ هذه الدّعوةِ الخالِدَةِ المُبارَكةِ مَن لَم يَمضِ على إسلامِهِ إلا ساعاتٍ ثُمّ يقولُ: لا والله حتّى أصدَحَ بالقُرآن بين ظهرانيهم يا رسول الله! ومِنهم الكِرامُ الكِرامُ أولئك الّذين لم يكونوا مُسلمين، بل لم يكونوا مِن أهلِ كِتابٍ، وكانَ من غَيّهم أن قالوا في تحدّيهم (بِعِزّةِ فِرعون إنّا لَنحنُ الغالبونَ)، وكانوا مع ذَلِكَ عالِمين بالسّحر له عامِلون...
لكِنَهم لمّا أسلموا، وردّدوا في الجموع ضُحًى (آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ)، ولَمّا أن جَرَت عليهم وفيهم سُنّة الله تعالى في امتِحانِ أوليائه وتَخليصِهم لِذاتِه، عاداهُم فِرعونُ زَمانِهم و (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؟! ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ)... كانَ قَد مَرّ على إسلامِهم وإيمانِهم لَحظاتٌ قليلَةٌ، عُمرُها بِعُمرِ جَلسَةِ غداءٍ مِن جَلَساتِكَ أو جَلسَةِ عَشاء، لَكِنَهم ما قالوا (بِعِزّةِ فِرعَونَ)، ولا قالوا (أئنّ لنا لأجرًا إنْ كُنّا نحنُ الغالبين) وإنّما (قَالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).
يا لَها مِنْ كَلِماتٍ هذِه الكَلِماتُ ما أعمَلَها في النّفسِ وما أفعَلَها... أحقًّا هي كَلِماتٌ خرجَت من قَلبٍ ما آمنَ إلا من قليل..؟! نعم هي كَذَلِكَ أيُّها النّبيلُ! ولَكِنّها خرجَت مِن كُوّةِ (جئتُك من سبأ بنبأ يقين)... فإنّ عِلمَهم بالله وإيمانَهم بالله إيمانُ يقينٍ، إذ قد رأوا السّحر وخبَروه وعاملوهُ وجرّبوه، ولا والله ما الّذي رأوهُ بِسِحرٍ ولا قريبٍ منِه.
قد تَقولُ الهُدهُدُ طيرٌ وأينَ أنا مِن الطّيور!؟ فلا جناحان لي فأطيرُ ولا إمامَ لي فاصير. فلا تَنتَقِص أيُّها النّبيلُ قَدرَكَ، فأنت قادِرٌ بل أقدَر، وبالمَجدِ أجدَر وبِه أخبَر، فأنت ابنُ جلّا وطلاع الثنايا، وأنت الفارسُ المُحَكّك والشّهاربُ المُجَرّبُ والخطيب اللوذَعيُّ والمُناورُ الألمعيُ والداعيةُ العَبقريُ، تفري العِلمَ فَريًّا، ولَم نَعهد عليك بَغيًا ولا غَيًّا... وقَد قُلنا مِن قَبلُ قَد يكونُ المرءُ بعينِ غيرِه صغير، وبرأي الآخرين حقير لكنّه يحمل بينَ جَنباتِه هِمّة تُناطِحُ الثُريّا...فأقدِم... واعلَم أنّ المِسكَ لا يتضوع حتّى يُسحَق والندّ لا يَندُّ حتّى يُحرٌّق، ولا تخرُج السُنبُلةُ مِن فَتيلِها حَتى تُفرَك، ولا ترعُد الدُنيا حتّى تَبرِق، ولا تزهو الشّمسُ حتِى تُشرِق ولا تُشرِقُ أنتَ حتّى تَحتَرِق بِنار فِكرَتِك وتختَرق حاجزَ سَلبيَّتِك، وتَستَرِق مِن القمَر صَفاءَ سريرَتِك، ومِن السّيفِ مضاءَ عزيمَتِك وتنعَتِق من الجُبنِ والبُخل باستِجلابِ منيّتِك، وتَنغَلِق على ما حَويتَ من جُبٍّ لله في طَويّتِك.... وتُفجر كوامنَ طاقاتِكَ بِخِدمَةِ سبيلِه، فإن كان للهُدهُد جناحان يتَعبانِ فإنّ جناحاكَ الصّبْرُ والهِمّةُ وإن كانَ قلبُه يرجِفُ لأبسط الأمور فقلبُك لا يرجِفُ إلا حُبًا لله وفرحًا به وشوقًا وحُبورًا...
وإلى أن ألقاك في لوحَةٍ أُخرى.... سبّح معي ربًّا إلهًا ناصِرًا ومُعينًا

التعليقات
طيب ما في عند الدكتور ايميل
طيب ما في عند الدكتور ايميل نراسله ونتواصل معاه ؟!
علِّق