أنبأنا العليم الخبير في الذكر الحكيم أنَّ القتال كتب على الجماعة المؤمنة , وهذا القتال قد أفاض في فقهه ومقاصده العلماء على مدار تاريخ أمتنا المجيد , وفي الذكر المسطور بَيَنَ الله لنا أنَّ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "البقرة 167.
والجميع متفق اليوم الا مريض القلب حاقدا على أنَّ المقاومة الاسلامية انتصرت في الحرب الظالمة التي شنتها اسرائيل على القطاع لحاجات خاصة تقاطعت مصالحها مع ظروف أقليمية , وبالوكالة عن الاخرين .
في هذه الحرب خرجت المقاومة منتصرة بالنقاط وفقا لبعض التقديرات ومنتصرة انتصارا باهرا وفقا لتصورات أخرى تنطلق من خلال المنظور الاستراتيجي وتربط بين الحرب والاهداف السياسية الفورية والبعيدة المدى والتأثيرات التي ستتركها هذه الحرب على المنطقة برمتها إن في الشأن السياسي او الاجتماعي او الاستراتيجي, ويكفي لتبيان ما ذهبنا اليه الاصطفاف الدولي وسرعة الحراك السياسي التي تبعت هذه الحرب الى هذه اللحظات.
رب ضارة نافعة
عادة ما تصنع الاحداث الانسان وتجعله أكثر تجربة واستشعارا بالحدث ويتمتع بحدس عال يعينه على مزاولة شؤون الحياة وما ينسحب على أفراد الناس ينسحب على الجماعات . وهذا ما حصل لشعبنا الفلسطيني الذي أكسبته سنوات الابتلاء ثباتا وتمرسا , ويكفي أن نقول أنه بالامكانيات الضئيلة استطاع هذا الشعب أن يقف أمام أعتى قوى الارض والتي وقف وراء حربها منظمات أممية ودول عظمى دولية وأقليمية .
ويكفي أن نقول أنَّ الطبيب الفلسطيني الغزاوي بحكم ما رأى من الآلام والأهات وبتر للاعضاء واستعمال الاسلحة المحرمة دوليا أصبح خبيرا وقد أكسبته التجربة العملية "لا المخبرية" مهنية عالية ارتقت الى مصاف دولية , وكلنا سمعنا ما ردده الخبراء المصريون والعرب الذين هبوا لمساعدة أهل غزة عبر برنامج الحوار المفتوح لغسان بن جدو مدى عبقرية الاخوة المصريين الذين ما زالوا ينتظرون السماح لهم بالدخول الى القطاع لمساعدة اخوانهم في ترميم وبناء ما هدمته الة الحرب الإسرائيلية من خلال عمل عبقري فذ يستثمر الطبوغرافيا الغزية ويسرع في ايواء من هدمت بيوتهم ، وهناك من يعمل على معالجة ما أحدثته اسرائيل من خراب في الارض او البحر او المياه الجوفية ,وهناك من يعد المخططات البيئية والبنيوية لاستثمار الوضع الراهن لبناء احواض أسماك والعمل على تحلية المياه وأعادة الاعمار وفقا لنظم عمرانية بيئية سليمة, ووفقا للمخططات المزمع تنفيذها فأن غزة هاشم ستشهد من خلال العبقرية العربية والاسلامية ثورة عمرانية واقتصادية تداوي بعض جراح أهلنا .
والحقُ أنَّ هذه الحرب كشفت عن معدن العلماء الخُلَصْ في هذه الامة وأمكانيات المساعدة التي يمكن ان يقدموها لشعوبهم , ومدى عِظَم النقلة التي يمكن لهؤلاء العلماء أنْ ينقلوا بها الامة من وهاد التخلف الى فضاءات التقدم والرفاهية , تماما كما كشفت الاحداث , وبالعكس, لما أشرنا أليه عن حجم التواطؤ الذي يعاني منه بعض الاعلاميين العاملين على محور " النفط-المال" من جهة ومحور " واشنطن- تل أبيب " من جهة أخرى, وكأن العالم العربي والاسلامي قد انقسم الى فريقين لا ثالث لهما , فريق مع المقاومة بكل مركباتها وفريق مع التسوية بكل مركباتها كذلك. ليس هذا فحسب بل أنَّ رياح هذه الحرب أصابت عددا كبيرا من العلماء فمنهم من وقع في وهاد الخوف السلطوي ومنهم من سكت ومنهم من لا يزال يحمل هموم غزة والامة كلها .
دور العلماء.. وفرصة التغيير
كشفت أحداث غزة عن المعدن لهذه الامة التي تنتظر من يقودها الى بر الامان ليس في سياقات نوستولوجية بعيدة المنال ولا في أطار متخيلات ما ورائية او ما بعدية , بل في أطار الواقع المعاش الذي كشف أنَّ بالامكان ان تقوم ثلة من الناس لا يملكون من المقدرات معشار معشار ما تملكه أفقر دولة عربية او اسلامية أن ينتفضوا لكرامتهم ولمستقبل أبنائهم وبلدهم.
فالانسان كما قالوا لا يحيا على الخبز وحده, وفي لحظات تاريخية يمكن للشعوب المستضعفة ان اهتبلت الفرصة التاريخية أن تخرج من القمقم الى رحاب الحياة ,شريطة أن تحفظ معادلة الوجود في السياق الفلسطيني:[ الثبات على الارض+الصبر والمصابرة والرباط+المجاهدة+ الثبات على المواقف= سيفضي الى دولة فلسطينية قابلة للحياة.] .
أنَّ الدعاة والعلماء مطالبون أكثر من أي وقت مضى لاستثمار لحظات الوقوف العربي والاسلامي الى جانب أهل غزة واستنفار هذه العاطفة ومراكمتها تعبديا وعقديا للوصول بها الى سمت تقف عنده يؤسس لواقع جديد يغير أحاد الناس في عملية استرجاعية لعودة الذات بعد أن سرقتها الافكار المستغربة والمعلمنة والمنحرفة سنوات طويلة.
لقد ضرب اهل غزة أعظم مثال في نجاح فكرة الاستثمار بالافراد... استثمرت الحركة الاسلامية في القطاع جهودها في الانسان الغزاوي فكانت هذه الاسطورة العظيمة في أواخر العشرية الاولى من قرن الجينيوم وثورة المعلومات ... رسالة الى شباب العالم العربي والاسلامي بما فيه الداخل الفلسطيني عنوانها " وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ" .
التعليقات
علِّق