صوت الدعوة

قراءة من كتاب "الدّرّ المنضود في الصلاة والسّلام على صاحب المقام المحمود" لابن حجر الهيتمي الشافعي

نتناول في هذه السلسلة كتابًا من كتب التراث القديمة، ونعرضه بصورة موجزة للقرّاء الكرام، كي نقرّب كتب السلف إلى النّاس وإحياءً لعلومهم وذكرهم في حياتنا، وذلك لأنّ أنفاس أولئك القوم طاهرة، ونفوسهم زاكية، ونواياهم خالصة، فهم أرقّ قلوبًا وأصفى سريرة وأعمق وأدق فهما وأغزر علمًا وأشدّ اتباعًا ومتابعة للكتاب والسنة.


مسائل متفرقة في التقليد والتمذهب

المسألة الأولى: هل اتباع مذهب والتمسك به يتنافى مع التمسك بالكتاب والسنة؟


من له حق الاستنباط من الكتاب والسنة؟

انتشرت في القرن الأخير ظاهرة من ينادي بعدم التقليد لمذهب من المذاهب والأخذ من حيث أخذوا، بدعوى أنّ العصمة للوحييْن (الكتاب والسنة). وهذه المذاهب الفقهية يحتج لها ولا يحتج بها، وهي عرضة للصواب والخطأ، ونحن قد أمرنا باتباع الكتاب والسنة لا باتباع المجتهدين ومذاهبهم واجتهاداتهم... وليت شعري كأنّهم توصلوا إلى ما توصلوا إليه بجهل أو بهوى!!


"حكم الإفتاء بأقوال الصحابة المخالفة للمذاهب الأربعة والاعتداد بها"

ظهر في الفترة الأخيرة منهج غير سديد لدى بعض أهل العلم، خصوصا من يتصدرون للفضائيات، وهو الإفتاء بأقوال الصحابة المخالفة للمذاهب الأربعة. وهذا منهج مغلوط بل ومن الخطورة بمكان، وذلك لأنّ الصحابة وإن كانوا أجلّ قدرًا وعلمًا ودينًا ممّن جاء بعدهم، إلاّ أن مذاهبهم لم تحرر وتدّون ولا يعرف لها قواعد يتخرج عليها أحكامها. وهذا قول جمهور أهل العلم، وإليك نصوص الفقهاء في المسألة:


هل اتباع مذهب والتمسك به يعني التمسك بالشخص لا بالكتاب والسنة؟

يدّعي البعض أنّ التمسك بمذهب مخالف للكتاب والسنة، بدعوى أنّ المذهب قد يصيب ويخطئ، والمذهب نتاج اجتهادات الفقهاء، وهذه الاجتهادات عرضة للصواب والخطأ، لذا فإنّ الملزم ما جاء في الكتاب والسنة دونهما، ومن يتمسك بمذهب من المذاهب، فهو بذلك يتمسك بأشخاص يحتجّ لهم ولا يحتجّ بهم!! فإن قلت له: السنة القبلية أو قنوت الفجر مثلا مستحب عند السادة الشافعية، قال لك: أين الدليل؟ أو دليل الشافعية ضعيف، والعمدة للدليل لا للمذهب!!


ما معنى قول الشافعي: “إن صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط”

ينكر البعض علينا دعوى التمذهب، رغم أنّه مجمع على مشروعيته كما سبق في حلقات سابقة، محتجًا بمقولة الشافعي: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، وبناء على ذلك يدّعي ويقول: إذا خالفت مقولة الشافعي حديثا فمذهب الشافعي هو الحديث، ولا يجوز التمسك بفتوى الشافعي المخالف لظاهر الحديث.


رمضانُ شهرُ الحُريّة

إنّ لكُل مُصطَلحٍ معانيَه المُعجَميّةَ وأبعادَهُ الفَلسَفيّة، بل والثّوريّة أو الاجتِماعيّةَ - في كثيرٍ من الأحيان-.

فكُلّ إنسانٍ يَنظُر إلى ذاتِ المُصطَلَح وفق ما يَفهمه من زاويته هو وواقعه الذي يعيشه، ووحدها المعاجم هي الّتي تحافظُ على المُصطلح كما هو بأصل استخدامه عند أهل اللُّغَةِ.


التقليد واجب على العلماء فضلا عن العوام

التقليد في اصطلاح الأصوليين هو: "أخذ قول الغير من غير معرفة دليله" (راجع: شرح المحلي على جمع الجوامع، 2\322، المستصفى، 2\123، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي، 2\1148).


خطورة تتبع الرخص

من الملاحظ في الآونة الأخيرة انتشار التساهل والتسامح في قضايا اتفق الأئمة على منعها وتحريمها، وممّا يؤسف له أن يظهر ذلك على سلوك بعض أهل الاستقامة ممّن لا نشك في صدقهم وحسن سيرتهم، ولكنّهم كانوا ضحية التطور والانفتاح والقنوات والشبكات العنكبوتية وضحية الجهلة من أشباه المفتين أو إن شئت فقل المفتنين، وذلك لأنّ الفتنة في الرأي من أعظم الفتن.

قال سفيان الثوري: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها والبدع لا يتاب منها".


قرار العمل بالحديث الضعيف وردّه إلى الفقهاء المجتهدين أولا وآخرًا (2)

بيّنتُ في الحلقة السابقة أنّ أهل العلماء متفقون على رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وأنّ جمهور الفقهاء على العمل في الحديث الضعيف في الاستحباب والكراهة في الأحكام من باب الاحتياط ما لم يكن في إسناده متهم أوكذّاب أو من فحش غلطه شريطة ألاّ يقوم ما يعارضه أو يرجحه عليه من النصوص الصحيحة، وسنبيّن في هذه الحلقة أقوال الأئمة الأربعة حول العمل بالحديث الضعيف في باب الواجبات والمحرمات إذا لم يوجد في الباب غيره أو تلقته الأمة بالقبول، ما يؤكّد أنّه لا يملك أحد ردّ حكم فقهي بدعوى ضعف الحديث، وذلك لأنّ الذين بنوا على هذا الحديث حكمًا فقهيًا من ال